ابن ميثم البحراني

169

شرح نهج البلاغة

وإن تفاوتت الاعتبارات بالنظر إلى اعتبارنا ، وهذا بخلاف غيره من الأمور الزمانيّة فإنّ الجوهر مثلا يصدق عليه كونه أوّلا من العرض ولا يصدق عليه مع ذلك أنّه آخر له حتّى لو فرضنا عدم جميع الأعراض وبقاء الجوهر بعدها لم يكن استحقاقه للاعتبارين معا بل استحقاقه لاعتبار الأوّليّة متقدّم إذ كانت بعض أحواله سابقة على بعض ، ولا استحقاقه لهما لذاته بل بحسب بقاء أسبابه . ولا العرض لما صدق عليه أنّه بعد الجوهر يصدق عليه أنّه قبله باعتبار ما ، وخلاف المختلفين في أيّ الصفات أقدم مبنىّ على سوء تصوّرهم لصانعهم سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا . إذا عرفت ذلك فنقول : أوّليّته هو اعتبار كونه مبدء لكلّ موجود ، وآخريّته هو كونه غاية لكلّ ممكن ، وقد سبق معنى كونه ظاهرا وباطنا في الخطبة الَّتي أوّلها : الحمد للَّه الَّذي بطن خفيّات الأمور . الثاني : كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل . مقصود هذه الكلمة أنّه تعالى لا يوصف بالقلَّة وإن كان واحدا ، وتقرير ذلك أنّ الواحد يقال بمعان والمشهور منها المتعارف بين الخلق كون الشيء مبدءا لكثرة يكون عادّا لها ومكيالا وهو الَّذي تلحقه القلَّة والكثرة الإضافيّتان فإنّ كلّ واحد بهذا هو قليل بالنسبة إلى الكثرة الَّتي يصلح أن يكون مبدءا لها والمتصوّر لأكثر أهل العالم صدق هذا الاعتبار على اللَّه بل ربّما لا يتصوّر بعضهم كونه تعالى واحدا إلَّا بهذا الوجه ، ولمّا كان تعالى منزّها عن الوصف بالقلَّة والكثرة لما يستلزمانه من الحاجة والنقصان اللازمين لطبيعة الإمكان أثبت القلَّة لكلّ ما سواه فاستلزم إثباتها لغيره في معرض المدح له ونفيهما عنه . واستلزم ذلك تنزيهه تعالى عن الواحديّة بالمعنى المذكور . إذ سلب اللازم يستلزم سلب ملزومه ، وليس إذا بطل كونه واحدا بهذا المعنى بطل كونه واحدا . فإنّا بيّنا صدق الواحد عليه بمعان أخر في الخطبة الأولى ، وقد يفهم من هذا أنّه لمّا نفى عنه القلَّة استلزم ذلك أن يثبت له الكثرة ، وهو من سوء الفهم وقلَّة العلم فإنّ عدم القلَّة إنّما يستلزم ثبوت الكثرة عند تعاقبها على محلّ من شأنه قبولهما . وربّما قيل : إنّ المراد بالقليل هنا الحقير ، وهو غير مناسب لذكر الوحدة وإنّما قال عليه السّلام : كلّ